رسالهٌ إلى التاریخ موجَّههٌ إلى المجرمین ومُثیری الفتن ضدّ السِّلم
بروین فهیمی
أنا بروین فهیمی،
أمٌّ من هذه الأرض، أمٌّ محبّهٌ للسلام، أمٌّ سُلِبَ منها ابنُها، سهراب أعرابی، على ید هذه السلطه نفسها، إبّان الحرکه الخضراء فی إیران.
أکتبُ هذه الرساله إلیکم: إلیکم، السیدین دونالد ترامب وبنیامین نتنیاهو، وإلى أولئک الذین نالوا الجوائز باسم السلام ثم لاذوا بالصمت فی خضمّ هذا القصف والعدوان على إیران.
واعلموا أنّنی أکتبُ لتسجیل هذا فی صفحات التاریخ، لا لفتح حدیثٍ معکم.
السیدین دونالد ترامب وبنیامین نتنیاهو،
لستما إنسانین؛ أنتما من دفع العالم إلى الفوضى. أنتما أصولیّان، باسم الدین والسلطه والثروه، ضیّقتما سُبل العیش على شعوب العالم. لا تعملان من أجل شعبیکما، بل من أجل مصالح الشبکات التی تنتمیان إلیها؛ تهاجمان البلدان، تقتلان الناس، وتدمّران کلّ ما یجعل الحیاه ممکنه.
هذه هی المرّه الثانیه، فی أقلّ من عام، التی تعتدیان فیها على أرضی، إیران. وتتکرّر الحکایه ذاتها:
خراب الأرض، وسفک دماء الأبریاء، ومستقبلٌ یتمزّق أمام أعیننا.
تستهدفان البیوت، بیوتًا تُؤوی أمّهاتٍ یُنوّمن أبناءهنّ.
تستهدفان المصانع، حیث یُصان رزق الناس وتصل اللقمه إلى الموائد.
تستهدفان الجامعات، حیث یُنشَّأ شبابنا لیصنعوا المستقبل.
تستهدفان الجسور والطرق ومحطّات الطاقه والمستشفیات، وکلّ ما یجعل الحیاه ممکنه للإنسان.
ثمّ، وبوقاحه، تسمّیان ذلک «تدخّلًا إنسانیًّا».
أیّ إنسانیّه هذه؟
وأیّ بشر؟
وأیّ حیاه؟
لقد عشنا، رغم کلّ الضغوط التی فرضتماها علینا، ورغم العقوبات التی لم تُثمر إلا ملء جیوب قِلّهٍ فی الداخل والخارج، عشنا ووقفنا على أقدامنا. کنّا، کلّما سنحت لنا القدره، نحتجّ ونطالب بحقوقنا من حکومتنا.
لکنّکما، بقرارٍ کان متّخذًا سلفًا، وبمساعده أولئک الذین انقطعوا عن هذه الأرض، جئتما وسلبتما منّا حتى إمکان التَّنفّس والمقاومه.
نحن لا نرید، ألف مرّه، تلک «الدیمقراطیه» التی تعدان بها؛ دیمقراطیهٌ اسمُها الحقیقی التبعیّه، واسمُها الاستعمار. ولم یمدّ شعبُ هذه الأرض، ولا شعوبُ العالم الأخرى، أیدیهم یومًا إلیکما طلبًا لمثل هذا.
والتاریخُ أمام الجمیع:
من الانقلاب فی إیران عام ۱۹۵۳ إلى نیکاراغوا،
ومن البوسنه والهرسک إلى لیبیا،
ومن أفغانستان التی استولیتم علیها ثم ترکتموها، إلى العراق الذی لم یخرج بعدُ من تحت الأنقاض،
وها هی إیران مرّهً أخرى.
ألم تکفِ کلّ هذه «الألطاف» التی أغدقتُموها علینا باسم الدیمقراطیه؟
بأیّ حقّ تقرّرون مستقبل العالم؟
وأمّا أنتم الذین تظنّون أنّ ثمّه إیرانیین یقفون خلفکم، فاعلموا أنّهم لیسوا منّا. فالإیرانیّه لیست مجرّد وثیقه هویّه. أولئک الذین یرقصون تحت رایات «الأسد والشمس» وإسرائیل ویطلبون الدم، لیسوا من أبناء وطننا، بل هم مرآهٌ لعنفکم أنتم.
وبطبیعه الحال، فإنّ شعوب بلدیکما أیضًا، التی منحت أمثالَکما من المجرمین سلطهً، مطالَبهٌ بأن تتحمّل مسؤولیّه هذه الآلام التی لحقت بالبشریّه فی أنحاء العالم. فالتاریخ لم یمرّ یومًا مرورًا عابرًا على جرائم الماضی، ولن یفعل.
أنا، بوصفِی أمًّا فقدتُ ابنَها فی سبیل الحرّیّه، لن أسمح لکم أبدًا بأن تقرّروا مستقبل بلدی.
لم یرحل أبناؤنا لیُستبدَل ظلمٌ بظلمٍ آخر. ولو کانوا الیوم بیننا، لوقفوا إلى جانب شعبهم فی مواجهتکم؛
ضدّ الاستبداد فی الداخل، وضدّ العدوان من الخارج.
ومع کلّ هذا الألم، ومع کلّ هذا الخراب، ما زلتُ أؤمن بأنّنا سنعید البناء:
بیوتَنا،
ومصانعَنا،
ومدارسَنا،
وجسورَنا.
فهذا الشعب، مرارًا، نهض کـطائر الفینیق من رماده، وسینهض من جدید.
وأمّا أنتم الذین تحملون اسم السلام وتتزیّنون بجائزته،
فاعلموا أنّ تلک الجائزه التی نلتموها باسم السلام لن تکون لکم حلالًا. لقد خاطَطتم لأنفسکم من دماء شباب هذا الوطن، ومن دماء شعوب فلسطین ولبنان مکاسب، وتنتظرون اقتسام الغنائم بعد الکارثه. ولم یُبنَ السلام فی أیّ موضع من التاریخ على إراقه دماء الناس فی الحروب.
ولا یمکن تبریر أیّ صمتٍ إزاء هذا القتل. کیف یسعکم — وبحقّ — أن تحذّروا وتکشفوا عن المخاطر التی تهدّد حیاه السجناء، ثمّ تعجزون عن النطق بشأن جرائم الحرب فی میناب، واستهداف معهد باستور، وتدمیر البُنى التحتیّه فی إیران وفلسطین ولبنان؟
لعلّکم تعلمون أکثر منّی، غیر أنّ من أجل تنویر الرأی العام والتاریخ، یجدر بنا أن نتذکّر لی دوک ثو، العسکریّ والدبلوماسیّ الفیتنامی، أوّل آسیویّ نال جائزه نوبل للسلام سنه ۱۹۷۳ عن مفاوضات السلام فی حرب فیتنام إلى جانب هنری کیسنجر، ثمّ رفضها احترامًا لشعبه ورفضًا لمشارکتها مع مجرم.
کیف یُخاطَب أونغ سان سو تشی بسبب جرائمها بأن «تحفظ حرمه جائزه السلام»، ثمّ یُطلب، باسم السلام، من أمثال دونالد ترامب وبنیامین نتنیاهو قصفُ إیران؟!
وإن قیل إنّ ذلک مجرّد طلبٍ لضرباتٍ «دقیقه» تستهدف رؤوس السلطه والمؤسّسات العسکریّه والأمنیّه من دون إلحاق الأذى بالناس، فذلک أیضًا لا یبرّر إضفاء الشرعیّه على الجریمه والقتله باسم السلام. إنّ مثل هذه الدعوات هی التی ألبست هذه الحرب المدمّره ثوب المشروعیّه، ومنحت المجرمین فرصه أن یقولوا من فوق المنابر: «إنّهم أنفسهم یطلبون منّا أن نقصفهم!»
کیف یجوز لحائزٍ على جائزه نوبل للسلام أن یطلب العون من شخصٍ تکاد التهمُ علیه — بل تکاد تثبت — بأنّه متورّط فی اعتداءاتٍ جنسیّه على أطفال، ویُعرَف فی مجتمعه بفاشیّته وعدائه للمهاجرین والنساء وحقوق المثلیّین؟
وکیف یمکن لمدافعٍ عن حقوق الإنسان أن یطلب من قوّهٍ مجرمه اغتیالَ آخرین؟ أتنطبق حتى على أهل حقوق الإنسان قاعدهُ «الغایه تبرّر الوسیله»؟!
کیف یکون المرء حائزًا على جائزه السلام، ثمّ یقف إلى جانب من یشکر — هو وأنصاره — المعتدین على بلده، ویثنون على من یقصفون أبناء وطنهم ویدمّرون بُناه التحتیّه، إلا إذا کان قد باع ضمیره لقاء وعودٍ بالسلطه على جثث الناس؟
من یدری، لعلّ التاریخ لن یکتفی بذکر أونغ سان سو تشی بوصفها مجرمه، ولا من قدّم جائزته لمجرم طمعًا فی رضا دونالد ترامب، بل سیذکر أیضًا آخرین أغضوا الطرف عن جرائم ضدّ الإنسانیّه کی لا یخسروا جائزهً لا قیمه لها، فغیّروا وجوههم مع کلّ ریح.
وسیحکم التاریخ: حین کانت القنابل تتساقط على هذه الأرض، هل کنتم أنتم حماه السلام، أم تلک الأمّهات والزوجات الثکالى اللواتی قاومن، فی آنٍ واحد، الاستبداد فی الداخل والعدوان من الخارج، ولم یسمحْنَ بأن یُحوَّل اسم «السلام» إلى أداهٍ لتدمیر الوطن؟
نیسان / أبریل ۲۰۲۶

